أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
590
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ : قد تقدّم إعراب هذا في نحو قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ « 1 » ، فأغنى عن إعادته وقال ابن عطية : « اللام للابتداء » ، وليس بشيء ، بل هي لام يتلقّى بها القسم . و « أَشَدَّ النَّاسِ » مفعول أول ، و « عَداوَةً » نصب على التمييز . و « لِلَّذِينَ » متعلق بها ، قويت باللام لمّا كانت فرعا في العمل على الفعل ، ولا يضرّ كونها مؤنثة بالتاء لأنها مبنية عليها ، فهي كقوله : 1798 - . . . ورهبة * عقابك . . . « 2 » ويجوز أن يكون « لِلَّذِينَ » صفة ل « عَداوَةً » فيتعلّق بمحذوف ، و « الْيَهُودَ » مفعول ثان . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون اليهود هو الأول ، و « أَشَدَّ » هو الثاني ، وهذا هو الظاهر ، إذ المقصود أن يخبر اللّه تعالى عن اليهود والمشركين بأنّهم أشدّ الناس عداوة للمؤمنين ، وعن النصارى بأنهم أقرب الناس مودة لهم وليس المراد أن يخبر عن أشدّ الناس وأقربهم بكونهم من اليهود والنصارى . فإن قيل : متى استويا تعريفا وتنكيرا وجب تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني كما يجب في المبتدأ والخبر وهذا من ذاك . فالجواب : أنه إنما يجب ذلك حيث ألبس ، أما إذا دلّ على ذلك جاز التقديم والتأخير ، ومنه قوله : 1799 - بنونا بنو أبنائنا ، وبباتنا * بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد « 3 » ف « بنو أبناء » هو المبتدأ ، و « بنونا » خبره ، لأنّ المعنى على تشبيه أولاد الأبناء بالأبناء ، ومثله قول الآخر : 1800 - قبيلة ألأم الأحياء أكرمها * وأغدر الناس بالجيران وافيها « 4 » « أكرمها » هو المبتدأ ، و « ألأم الأحياء » خبره ، وكذا « وافيها » مبتدأ و « أغدر الناس » خبره ، والمعنى على هذا ، والآية من هذا القبيل فيما ذكرت لك . وقوله : وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا عطف على اليهود ، والكلام على الجملة الثانية كالكلام على ما قبلها . و « ذلِكَ بِأَنَّ » مبتدأ وخبر ، وتقدم تقريره ، و « مِنْهُمْ » خبر « أنّ » و « قِسِّيسِينَ » اسمها ، وأن واسمها وخبرها في محل جرّ بالباء ، والباء ومجرورها ههنا خبر « ذلِكَ » . والقسيسين جمع « قسّيس » على فعّيل ، وهو مثال مبالغة ك « صدّيق « 5 » » وقد تقدّم ، وهو هنا رئيس النصارى وعابدهم ، وأصله من تقسّس الشيء إذا تتّبعه وطلبه بالليل ، يقال : « تقسّست أصواتهم » أي : تتبّعتها بالليل ، ويقال لرئيس النصارى : قسّ وقسّيس ، وللدليل بالليل : قسقاس وقسقس ، قاله الراغب ، وقال غيره : القسّ بفتح القاف تتبّع الشيء ، ومنه سمّي عالم النصارى لتتبّعه العلم . قال رؤبة بن العجاج : 1801 - أصبحن عن قسّ الأذى غوافلا * يمشين هونا خردا بهاللا « 6 » ويقال : قسّ الأثر وقصّه بالصاد أيضا ، ويقال : قسّ وقسّ بفتح القاف وكسرها ، وقسّيس . وزعم ابن عطية أنه
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 96 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه ( 217 ) ، ابن يعيش ( 1 / 99 ) ، الخزانة ( 1 / 213 ) ، الإنصاف ( 66 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 76 ) . ( 4 ) البيت لحسان بن ثابت انظر ديوانه ( 216 ) ، الهمع ( 1 / 102 ) ، الدرر ( 1 / 76 ) . ( 5 ) تفسير سورة المائدة ، الآية ( 75 ) . ( 6 ) انظر ديوانه ( 2 / 121 ) .